السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

77

مختصر الميزان في تفسير القرآن

القول المنسوب اليه تعالى في القرآن يستعمل في الوحي النبوي وفي الابلاغ بواسطة الوحي كقوله تعالى : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ ( البقرة / 35 ) وقوله : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ( البقرة / 58 ) ، ويستعمل في الالهام الذي ليس من النبوة كقوله : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ( القصص / 7 ) . وبه يظهر أن قوله : « قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ » الخ ؛ لا يدل على كونه نبيا يوحى اليه لكون قوله تعالى أعم من الوحي المختص بالنبوة ولا يخلو قوله : « ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ » الخ ؛ حيث أورد في سياق الغيبة بالنسبة اليه تعالى من إشعار بأن مكالمته كانت بتوسط نبي كان معه فملكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل بإشارة من نبيهم وهدايته . وقوله : « إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً » أي إما أن تعذب هؤلاء القوم وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن ، فحسنا مصدر بمعنى الفاعل قائم مقام موصوفه أو هو وصف للمبالغة ، وقد قيل : إن في مقابلة العذاب باتخاذ الحسن إيماء إلى ترجيحه والكلام ترديد خبري بداعي الإباحة فهو إنشاء في صورة الإخبار ، والمعنى لك أن تعذبهم ولك أن تعفو عنهم كما قيل ، لكن الظاهر أنه استخبار عما سيفعله بهم من سياسة أو عفو ، وهو الأوفق بسياق الجواب المشتمل على التفصيل بالتعذيب والإحسان « أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ » الخ ؛ إذ لو كان قوله : « إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ » الخ ؛ حكما تخييريا لكان قوله : « أَمَّا مَنْ ظَلَمَ » الخ ؛ تقريرا له وإيذانا بالقبول ولا كثير فائدة فيه . ومحصل المعنى : استخبرناه ما ذا تريد أن تفعل بهم من العذاب والإحسان وقد غلبتهم واستوليت عليهم ؟ فقال : نعذب الظالم منهم ثم يرد إلى ربه فيعذبه العذاب النكر ، ونحسن إلى المؤمن الصالح ونكلفه بما فيه يسر . ولم يذكر المفعول في قوله : « إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ » بخلاف قوله : « إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً » لأن جميعهم لم يكونوا ظالمين ، وليس من الجائز تعميم العذاب لقوم هذا شأنهم بخلاف تعميم